تناولت الكاتبة ماري فوريستيه ملامح التقارب المتسارع بين سوريا والاتحاد الأوروبي، في ظل التحولات الإقليمية التي أعقبت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن دمشق تسعى لاستغلال موقعها الجغرافي ودورها السياسي لإعادة الاندماج اقتصاديًا ودبلوماسيًا مع أوروبا، بينما يبحث الاتحاد الأوروبي عن شراكات جديدة تعزز أمن الطاقة والتجارة في المنطقة.


وأشار تقرير أتلانتيك كاونسل إلى أن العاصمة البلجيكية بروكسل تستضيف خلال مايو الجاري حوارًا سياسيًا رفيع المستوى بين سوريا والاتحاد الأوروبي، في أول لقاء رسمي من هذا النوع منذ سقوط نظام بشار الأسد. ويشارك في الاجتماع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ومسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، والمفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا، في خطوة تعكس رغبة أوروبية في بناء علاقة أكثر عمقًا مع دمشق بعد سنوات من القطيعة والعقوبات.


شراكة اقتصادية جديدة بين دمشق وأوروبا

 

يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة علاقته مع سوريا عبر تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام مشاريع اقتصادية واستثمارية جديدة. وخصص الاتحاد حزمة دعم مالي بقيمة 175 مليون يورو خلال عام 2025، مع خطط لتجديد الدعم خلال العامين المقبلين، بالتوازي مع مناقشات لإعادة تفعيل اتفاق التعاون الموقع بين الجانبين عام 1978.


ويرى التقرير أن الاقتصاد السوري قد يستفيد من مبادرات أوروبية كبرى مثل “الميثاق من أجل المتوسط” و”البوابة العالمية”، اللتين تستهدفان تعزيز الاستثمارات في قطاعات الطاقة والنقل والتكنولوجيا والتجارة. ويأمل الأوروبيون في ربط سوريا تدريجيًا بالسوق الأوروبية الموحدة، بما يعزز التبادل التجاري ويعيد دمج دمشق في الاقتصاد الإقليمي.

 

سوريا كممر استراتيجي للطاقة والتجارة

 

برزت سوريا خلال الأشهر الأخيرة باعتبارها نقطة عبور محتملة لمشاريع الطاقة والنقل بين الخليج وأوروبا، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز. وأعادت الحرب الأخيرة إحياء خطط قديمة لتحويل الأراضي السورية إلى مركز لوجستي يربط آسيا وأوروبا عبر ممرات برية وخطوط طاقة جديدة.


وأشار التقرير إلى عبور شحنات نفط عراقية عبر ميناء بانياس السوري خلال أبريل الماضي، بالتزامن مع حديث الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع عن مشروع “البحار الأربعة”، الذي يهدف إلى ربط الخليج وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود ضمن شبكة اقتصادية واحدة.


ويرى الاتحاد الأوروبي أن دمج سوريا في مشاريع مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا قد يمنح دمشق فرصة لإنعاش اقتصادها، بينما تستفيد أوروبا من طرق تجارة وطاقة أكثر تنوعًا وأقل تعرضًا للأزمات الجيوسياسية.


تحالفات إقليمية ودور خليجي متصاعد

 

توقع التقرير أن يشهد التعاون بين أوروبا وسوريا تنسيقًا متزايدًا مع دول الخليج، خاصة مع سعي العواصم الخليجية إلى توسيع شراكاتها بعد تداعيات الحرب الإيرانية الأخيرة. وتبحث بروكسل عن آلية تعاون ثلاثية تجمعها بسوريا والخليج لدعم إعادة الإعمار وتحفيز مشاريع التنمية الإقليمية.


ويرى مراقبون أن دول الخليج قد تعيد ترتيب أولوياتها الاقتصادية بعد الأضرار التي لحقت بقطاعي النفط والطاقة، ما قد يقلص حجم الأموال المخصصة لإعادة إعمار سوريا. ومع ذلك، يعتقد الاتحاد الأوروبي أن بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد مع دمشق والخليج قد يخلق بيئة أكثر استقرارًا في المنطقة، خصوصًا في ملفات التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.


ويخلص التقرير إلى أن الاضطرابات الحالية، رغم كلفتها السياسية والاقتصادية، تفتح نافذة جديدة أمام سوريا لتعزيز علاقاتها الأوروبية واستعادة دورها الإقليمي. لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بقدرة دمشق على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وبمدى استعداد أوروبا لتوسيع انخراطها داخل المشهد السوري الجديد.

 

https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/new-avenues-for-syria-eu-cooperation-are-forming-amid-conflict-in-the-middle-east/